محمد سعيد رمضان البوطي

217

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

أتيته فأخبرته بخبر القوم وفرغت ، فألبسني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها ، فلم أزل نائما حتى أصبحت ، قال : قم يا نومان » « 78 » . ورواه ابن إسحاق بزيادة : فدخلت في القوم ، والريح وجنود اللّه تفعل بهم ما تفعل لا تقرّ لهم قدرا ولا نارا ولا بناء ، فقام أبو سفيان فقال : يا معشر قريش لينظر امرؤ من جليسه ؟ قال حذيفة : فأخذت بيد الرجل الذي كان إلى جانبي فقلت له من أنت ؟ قال : فلان بن فلان . ثم قال أبو سفيان : يا معشر قريش ، إنكم واللّه ما أصبحتم بدار مقام ، لقد هلك الكراع والخف ، وأخلفتنا بنو قريظة ، وبلغنا عنهم الذي نكره ، ولقينا من شدة الريح ما ترون . . فارتحلوا فإني مرتحل » « 79 » . وفي صباح اليوم الثاني ، كان المشركون كلهم قد ولوا الأدبار ، وعاد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وصحبه إلى المدينة . وكان لا يفتر عليه الصلاة والسلام طيلة هذه الأيام والليالي عن الاستغاثة والتضرع والدعاء للّه تعالى أن يؤتي المسلمين النصر . وكان من جملة دعائه عليه الصلاة والسلام في ذلك : « اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اهزم الأحزاب ، اللهم اهزمهم وزلزلهم » « 80 » . وفي هذه الغزوة فاتت النبي صلّى اللّه عليه وسلم الصلاة في وقتها فقضاها بعد خروج الوقت ، فقد ورد في الصحيحين أن عمر بن الخطاب جاء يوم الخندق بعدما غربت الشمس فجعل يسب كفار قريش ، فقال : « يا رسول اللّه ، ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب ! . . قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : واللّه ما صليتها ، فقمنا إلى بطحان فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها ، فصلى العصر بعدما غربت الشمس ، ثم صلى بعدها المغرب » « 81 » وزاد مسلم على هذا حديثا آخر أنه صلّى اللّه عليه وسلم قال يوم الأحزاب : « شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ، ملأ اللّه بيوتهم وقبورهم نارا ، ثم صلاها بين العشاءين : بين المغرب والعشاء » . العبر والعظات : وهذه الغزوة أيضا - كما ترى - قامت على أساس من غدر اليهود وكيدهم ، فهم الذين أثاروا ، وألّبوا ، وجمعوا الجموع والأحزاب ، ولم يتوقف ذلك على بني النضير الذين كانوا قد أخرجوا من

--> ( 78 ) رواه مسلم : 5 / 177 . ورواية البخاري توهم أن الذي خرج إنما هو الزبير ، غير أن ذلك يتعلق بحادثة أخرى ، فقد أرسله النبي صلّى اللّه عليه وسلم ليعلم له علما عن بني قريظة . أما الذي خرج إلى الأحزاب فهو حذيفة كما نص على ذلك عامة علماء السيرة ، وانظر عيون الأثر لابن سيد الناس وفتح الباري لابن حجر . ( 79 ) سيرة ابن هشام : 2 / 231 ( 80 ) رواه البخاري . ( 81 ) متفق عليه واللفظ للبخاري .